14.2 C
New York
الثلاثاء, أكتوبر 19, 2021

Buy now

spot_img

ماذا يربح العرب إذا سادت الصين وتشرد المسلمون؟

تستعد الصين وجامعة الدول العربية لعقد أول قمة صينية عربية العام المقبل ٢٠٢٢. ويعتبر هذا التجمع الأقوى من نوعه بعد أن كان القمم السابقة على مستوى ثنائي بين الصين وكل دولة على حدة وبعد ١١ عاما من اعلان تيانجين الذي شهد ميلاد منتدى التعاون العربي الصيني، والذي شهدت العلاقات العربية الصينية تطورا أعادها لسيرتها الأولى منذ اعترفت مصر بتأسيس جمهورية الصين الشعبية في العام ١٩٥٦.

ورغم فتور العلاقات العربية الصينية منذ منتصف الستينيات بعد تولي زوجة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ السلطة مع عصابة الأربعة التي انتشرت في عهدها المجاعات وأغلقت الجامعات بل توقفت علاقات الصين بجميع الدول العربية عدا مصر، فإن التحول السياسي والاقتصادي مع تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح عام ١٩٧٩، دفع الصين للعودة للعرب مع حلول العقد الأخير من القرن العشرين.

تطورت العلاقات بسرعة مع شهوة الصين لغزو الأسواق العربية وحاجتها الشديدة للبترول والغاز والثروات المعدنية التي تتمتع بها المنطقة. ساهمت السياسات الأمريكية السيئة وانحسار الدور الروسي في توجه العديد من الأنظمة العربية إلى الصين على أمل أن يتحول إلى ظهير سياسي وقوة دولية ذات نفوس تحميهم من الغرب، الذي يشعل الثورات ضد الحكام ويقلب نظاما ويدعم آخر. وظهر تفاؤل العرب بالصين خلال الأعوام القليلة الماضية يعد أن أصبحت الشريك التجاري الثاني للعرب ووضوح نواياها لأن تصيح قوة كبرى تزيح الولايات المتحدة عن عرشها خلال عقدين من الآن.

التوجه الجديد

لذا توسع العرب في الترحيب بصعود الصين دون الانتباه إلى أنها لا تضع العرب ولم تهتم بهم الا مؤخرا بعد أن غيرت استراتيجيتها في مواجهة العرب في منطقة الشرق الأوسط. وكشفت الصين عن هذا التوجه علانية أثناء احتفال جمهورية الصين الشعبية خلال يوليو الماضي بمناسبة مرور مائة عام على ميلاد الحزب الشيوعي، الذي يتولى الحكم في الدولة منذ ٧٢عاما. هذه الاحتفالات، أٌعد لها على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، في محاولة من أمين عام الحزب ورئيس الدولة شي جين بينغ لتصدر مشهد تاريخي يدشن فيه مرحلة ” المسيرة العظيمة” للشعب الصيني. وخطط الحزب الشيوعي أن يكون للاحتفالات صداها الواسع على المستويين المحلي والدولي، وأنفق في سبيل ذلك ملايين الدولارات، على عروض جماهيرية وعسكرية واستضافة ألاف من الوفود من الداخل والخارج. الإنفاق ببذخ على هذه الأعمال، استهدف أن يشهد الناس لحظات اشهار” الصين الجديدة التي لن تركع مرة أخرى، وصوتها سيعلو إلى الأبد”. كان عملا دعائيا بامتياز.

المدهش في الأمر أن الدول العربية تتسابق للاحتفال بهذا الحدث، بالمشاركة في هذه المهرجانات داخل الصين وفي العواصم العربية، وسخرت لها وسائل الإعلام المحلية، بل قطع رئيس دولة كلمته في احتفال قومي يخصه لتوجيه التهاني للحزب الشيوعي الصيني بهذه المناسبة” السعيدة والتاريخية”. عكست مواقف الأنظمة العربية شعورا معاكسا لما يشعر به كثير من بني جلدتهم، ومن المسلمين في أنحاء العالم، من المتعاطفين مع ذويهم الذين يتعرض بعضهم” لحملات إبادة منظمة ” كما تؤكد تقارير المجلس الدولي لحقوق الإنسان، حول ما يحدث للمسلمين اليوغور في منطقة شينغيانغ.

هذه المعمعة

لم يكن المسؤولون العرب بمفردهم، في هذه المعمعة، بل تسابق رؤساء الدول الإسلامية، في التعبير عن فرحتهم بقيام الحزب الشيوعي الصيني بإدارة هذه البلاد، واعتباره” نموذجا يحتذى به في تحقيق الرفاهية والرخاء والسلام للشعب الصيني والعالم بأسره”.  تعكس مواقف المسؤولين الصينيين” البراغماتية” التي تنتهجها مع العرب والدول الإسلامية.

الصين حرصت في الماضي على تشكيل تحالفات سياسية مع العالمين العربي والإسلامي، بدأت مع منح الحزب الشيوعي اعترافا بالقوميات العشر المسلمة، وتمثيلا في مجلس نواب الشعب، وحكما ذاتيا في تركستان الشرقية التي ضمها مطلع عام 1950، وأطلق عليها مسمى شينجيانغ أي ” الحدود الجديدة”. وأسست الحكومة الشيوعية مجلس ” الجمعية الإسلامية ” في 11 مايو 1953، لتتولي تنظيم شؤون القوميات الإسلامية العشر” تحت راية حب الوطن والاشتراكية”. ورغم الحرب الواسعة التي شنتها  القوات الشيوعية على معابد البوذيين والكنائس المسيحية، خاصة الكاثوليكية والإنجيلية، تحت ستار تطهير المجتمع الشيوعي من الخرافات والبرجوازية التي يحافظ عليها رجال الدين في مجتمع ملحد متحرر من ” كافة الخرافات التي تبثها الأديان في شخصية المواطن الذي يجب أن يتخذ من الماركسية اللينينية منهجا في حياته اليومية، أعملت الحكومة الشيوعية على ايفاد أول بعثة للحج عام 1952،  لطمأنه الدول الإسلامية على حماية دولة الصين لحقوق المسلمين وضح هذه الصورة السيئة التي انتشرت عن ملاحقة الشيوعين للمسلمين الذي فروا من الجنوب في اتجاه هونغ كونغ وتايوان  وجدة ومن تركستان إلى إسطنبول ومكة المكرمة والقاهرة. ودفعت السلطات الصينية ببعض التجمعات من مسلمي مناطق قانسو إلى الإقامة في المناطق القريبة من جبال التبت التي سيطرت عليها خلال هذه الحقبة، في إطار سياسة الاحلال والتبديل بين القوميات التي انتهجها الشيوعيون في المناطق التي يخشون انفجارها سياسيا.

الاعتراف بالصين

تعاظم اهتمام الحكومة الصينية بالمسلمين، بعد أن شاركت في مجموعة دول عدم الانحياز عام 1955، التي ضمت أندونيسيتا أكبر دولة إسلامية ومصر كأكبر دولة يسكنها مسلمون عربا، أعقبه، إعلان مصر كأول دولة عربية وأفريقية للاعتراف بجمهورية الصين الشعبية في مايو 1956، وهو الأمر الذي مهد للصين أن تمد جسور علاقاتها مع كافة دول غرب أسيا وأفريقيا عدا إسرائيل التي لم تعترف بها الصين إلا بعد توقيع اتفاقية أسلو عام 1992، احتراما لصداقتها مع الشعوب العربية والإسلامية. وبهذه العلاقة الطيبة، تمكنت 12 دولة عربية من تمرير مشروع القرار رقم 2758 في الأمم المتحدة، لأن تصبح حكومة بكين هي الممثل الرسمي للشعب الصيني في المحافل الدولية بدلا من تايوان. ورغم استمرار عناصر الحزب الشيوعي الصيني في ملاحقة الكنائس واليهود إلا أن الضرر على المسلمين كان قليلا، وفي إطار حرب شاملة لملاحقة المثقفين والمتدينين الذين يعتبرهم الحزب الشيوعي من المارقين البرجوازيين والعملاء للخارج. كان من المألوف أن نشهد شخصيات مسلمة في أعلى تشكيلات الحزب، فقد قابلت أحمد إسماعيل نائب رئيس مجلس نواب الشعب عام 2007، في حفل فخم أقامته الحكومة الصينية لوفد برلماني مصري شاركت فيه.

 وحرص قادة الحزب الشيوعي على اظهار مدى حسن معاملتهم للمسلمين وتطوير سبل معيشتهم، وتقديم الأطعمة الحلال وتوفير الفنادق والمحلات ومنافذ الاستثمار المناسبة لهم.

زاد تعلق الصين بالعرب والمسلمين مع توجهها نحو الانفتاح على الأسواق الدولية، وزيادة حاجتها إلى الاستثمارات الدولية والطاقة.  ارتفع حجم التجارة بين الطرفين من بضع ملايين في السبعينيات من القرن الماضي، إلى 37 مليار دولار عام 2004 وإلى 240 مليار عام 2020. أصبحت الصين ثاني أكبر شريك تجاري للدول العربية، وأكبر مستورد للنفط في العالم، الذي يأتي48٪ منه من السعودية والخليج وإيران، و2٪ من ليبيا و2٪ من ماليزيا بما يوازي 52٪ من احتاجتها عام 2019التي تزيد عن 10 ملايين برميل يوميا عدا ما تحصل عليه من اندونيسيا وسلطنة بروناي والدول الإسلامية الأخرى مثل نيجيريا وغانا وسلطنة بروناي وكازاخستان. وتعتبر ثاني أكبر مستورد للغاز المسال من قطر.

شراهة الصين للقوة دفعتها لأن تكون أكبر مستورد للنفط والغاز والحديد وجميع المعادن، والعمل على جذب الاستثمارات العربية إلى أراضيها والتي تزيد عن 10 مليارات من الامارات وقطر والسعودية ومصر فقط بينما تؤكد تقارير الجامعة العربية أن الصين لا تزيد استثماراتها في الدول العربية عن 1.5 مليار دولار عام2020 ، وهو يقل عن المبلغ التي تستثمره الصين في مشروع سد النهضة بنحو 200 مليون دولار فقط. وتستثمر الصين 4.5 مليار دولار في اثيوبيا ومثلهم في كينيا. تنمو العلاقات التجارية بين الصين والدول الإسلامية بوتيرة مستمرة ويصل معدل النمو نحو 10٪ سنويا وفي الوقت الذي قارب فيه نسبا تصل إلى 30٪ مع الدول العربية خلال فترة ثورات الربيع العربي بدأت الصين حملتها على المسلمين داخل أراضيها.

نهاية عصر التسامح

أنهت الصين عصر التسامح النسبي مع المسلمين الذي حصلوا عليه في أحلك فترات عهود الصين تشددا مع المتدينين، وخاصة حقبة الثورة الثقافية، ورغم وقوع صدام من حين لأخر مع بعض مسلمي الايغور فإن التضيق وقع على فئة ممن لهم علاقة مباشرة بالأحداث.

وضعت الصين المسلمين في معسكرات للتأهيل التي يشرف عليها الحزب الشيوعي لتلقيم الناس مبادئه بالقوة واجبارهم على تناول الخنزير والخمور وحرمانهم من الصوم والصلاة. كنا نسمع من المسئولين الصينيين في أوائل القرن الحالي قولهم بفخر أن عدد المسلمين يبلغ نحو 45 مليونا منهم 22 مليونا في شينجيانغ بمفردها، بينما صرح وزير الخارجية الحالي وانغ يي بأن الصين بها ٢٠ مليون مسلم من بين 200 مليون ممن لهم عقائد دينية .

تصريحات وزير الخارجية تكشف التلاعب الصيني التقليدي بالأرقام والقلق الذي ينتاب الحزب الشيوعي من انتشار الأديان وخاصة المسيحية والإسلام واليهودية على عقيدة الحزب السياسية. فالمسيحية تدفع الشباب نحو الغرب حيث المبادئ الليبرالية، وبينما استطاع تهجين اليهود بدعم علاقات قوية مع اسرائيل وملوك المال في العالم، فإن الحزب يخشى تمدد الإسلام السياسي.

وهذا الخوف ليس على التحولات داخل الصين ولكنه على الأنظمة المتحالفة معه في الخارج وخاصة الدول العربية والإسلامية. فالصين تسعى للحفاظ على الأنظمة التي تؤمن لها احتياجاتها من النفط والغاز والمعادن وتفتح أسواقها لمنتجاتها بدون اثارة قضايا حقوق الإنسان والأقليات التي يتحصن بعضها بالدين المسيحي أو الإسلامي أومن البوذيين في التبت وغيرهم.  ة في طريقها للقمة أصبحت الصين ” تبحث عن تحالف أنظمة القمع “كما تقول الألمانية سوزان شروتر مدير مركز البحوث حول الإسلام بجامعة غوته بفرانكفورت. واستغلت الصين قلق الأنظمة العربية من نمو التيارات الإسلامية وربط رؤساء دول كمصر وسوريا وغيرهم الإسلام السياسي بالإرهاب في شنها الحرب الواسعة على المسلمين.

فالصين على يقين بأن جل الدول الإسلامية يسودها حكم مستبد، ينتقدها الغرب بسبب انتهاكها لحقوق الإنسان، بما جمع شمل الطرفين. كسبت الصين تعاطف الانظمة العربية والإسلامية فيما تفعله بالمسلمين فنجد الرئيس التركي يتراجع عن دعمه للإيغور ويلاحقهم في إسطنبول ويثني عام 2019، على ما تفعله الصين من ” إجراءات لحماية الأقليات” ويشيد ولي عهد دولة عربية كبرى وآخر نائب للحاكم خلال زيارتهما لبكين مؤخرا بسياسات الصين مع المسلمين بل حصلت جامعة بكين على جزء من كسوة الكعبة المشرفة، وكان الأولى أن يكون هدية للمسجد الكبير في نيو جيه حيث أكبر تجمع للمسلمين. وتتماهى باكستان وإندونيسيا في تحالف استراتيجي مع بكين. ومصر تلاحق الإيغور باتفاق أمني بين القاهرة وبكين وقع عام 2016.

تولدت المصالح المشتركة بين الطرفين فالصين تريد من العرب والمسلمين أموالهم وبترولهم وأسواقهم، والأنظمة تبحث عن ظهير سياسي بديل للغرب الذي يلاحقها بحقوق الإنسان، بينما الرأي العام لا يدرك حجم المشكلة وخطورة التعامل مع قيادات تجيد الظهور بوجه باسم ” كيوت” بينما تتلاعب بمصيره كما تتحرك قطع الشطرنج.

بقلم عادل صبري

Related Articles

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Stay Connected

22,355FansLike
2,985FollowersFollow
0SubscribersSubscribe
- Advertisement -spot_img

Latest Articles